-->
حوادث 24 حوادث 24
آخر الأخبار

آخر الأخبار

آخر الأخبار
رياضة
جاري التحميل ...
رياضة

hispris:إضاءات في اقوال الفلاسفة : طاليس

" الكل هو الماء " اذا استوقفت قولة كهته قارئا عربيا* بسيطا من الالفية الثالثة ، فلن تحرك فيه سوى نظرات استغراب ساخرة لما يخاله بداهة في صيغتها ، و في تبيين صوابها النسبي و غلطها النسبي ايضا . و بتعال ينسفها او يعللها ميتافيزيقيا .
و قد لا يهمه القائل بها ولا الظرفية التاريخية و الجغرافية و الاجتماعية التي جائت فيها ، و إن علم أن قائلها كان طاليس، بطل لديه العجب ، باعتبارها كانت من "اخطاء" نشأة الفلسفة . لكن لنتفحص قليلا صديقي القارئ بعضا مما حسبته هينا ، و لنصبر اغوار تلك الكلمات المتراصة ، و لان المعنى هش جدا و اكثر إغراء بتجسيد المواقف البطولية السطحية ، فإن الصيغة التي أتت فيها قولة طاليس هته هي أعجوبته الفكرية ، و قمة مغامرته و تهوره و غرابة مزاعمه في حبه لحكمة .
و ذلك لاسباب ثلاث : اولها انها كانت محاولة لتأصيل الوجود، حيث ان المبحث فيها كان واضحا ، هو السؤال : ما اصل كل شيء ( موجود ) ؟ و هته نزعة ليست غريبة ، حيث كانت مبحث الانسان الاساسي ، بدافع فهم أكثر لوجوده ، ضمان لبقائه ، و تجسيدا لهيئة معبوده و من في آلهته هو أحق بالخشية و العبادة ، واجابتها رغم انها لم تكن وليدة تفلسف ، و كانت سليلة فهم غيزي لواقع ، إلا أنها كانت عماد الحضارات التي سبقت .
لكن طاليس بقولته هته كان أكثر شمولية ما جعل منها استثناء عصره ، فلو قال أن اماء اصل الأرض أو الانسان ، مثلا ، لكانت مجرد فكرة علمية ضيقة و هشة ، رغم انها محفوفة ببنية تجعل ضحدها ليس بالسهل ، لا إشكال فلسفيا واسعا و عميق . و هنا يتجلى لنا طاليس مفكرا في الميتافيزيقا كغيره ممن فكرو في عصره ، غير أنه سينقلب على هته الصورة في ما يلي .
السبب الثاني يكمن في أنه انه اعطى جواب الماء على سؤال الاصل ، فجعل اصل الوجود ماديا عكس ماكان شائع من اقوال الميتافيزيقيين في الامر ، هذا كان انقلاب عاما على ما سبق من محاولات تأصيل الوجود ، التي كانت تستند بشكل كبير على الميثولوجيا المؤطرة لوعي العام آن ذاك ، و قفزة نوعية في الفكر البشري .
القفزة من الاصل الميتافيزقي الى الفيزقي انشأت نسقا جديدا متفردا في التفكير ، و استنتاجا فيزيائيا لم يكن بالضرورة منطقيا و متماسك ، لكنه كان استثنائيا و هذا ملا يقدر احد انكاره عنه رغم محاوالات النقد التي همت معرفته ممن تلاه من فلاسفة حضارته ، و أشير هنا لكلام أرسطو عن طاليس ، حيث قال : " إن ما كان يعرفه طاليس و أنكساغوراس يمكن وصفه بأنه كان خارقا ، مدهشا ، صعبا ، إلهيا ولكنه عديم الفائدة لأنهما لم يضعا هذه المعرفة في خدمة خير الإنسان " .
و بتعمقنا في قولة طاليس يتبين لنا مدى عبقريتها و اشعاعها كنجم ذري انبثق من سديم مظلم و عكر ، و ما البذرة المفجرة لنجم كهذا إلا مخيلة فذة متفردة تمتع بها ذاك الانسان .
لكن المخيلة وحدها غير قادرة على خلق النجوم من العدم ، و هكذا كان بالنسبة لنجم طاليس ، و هذا هو السبب الثالث لضرورة الوقوف عند مقولته و بحثها . فقد انطلق طاليس من مسلمة ميتافيزقية ، لها جدورها في استنتاج قلبي روحاني لهيأة الوجود ، ألا وهي " الكل واحد " ، و هذا ما يمكن اعتباره انقلابا على التحليل الميثولوجي اليوناني الذي يعبر بالضرورة عن وعيهم المشترك .
فطاليس قد تعالى بقولته تلك عن التفسيرات الخرافية ، بل وضع حقيقة ايمانية قلبت الاعتقاد السائد حينها في ان جوهر الكون و أصله لايعدو على هذين النقيضين: الانسان و الآلهة ، فقال بأن أصل الكون هو شيء موضوعي ، شامل الوجود ، يتعدى محدودية وجود النقيضين ، فكسر بذلك عجرفة العقل الميتافيزيقي اليوناني ، و اسس لمبحث " المهية " في منئى عن مركزية الانسان و جوهرية وجوده ...
و في الأخير اذكرك عزيزي القارء ان لنا في تاريخ البشرية أسوة تستطيع ، في نظري ، انقادنا من مستنقعات الطين الحضاري التي نغرق فيها ، اولا اذا اطلعنا عليها ، ثانيا اذا تعاملنا معها بجدية و تعمق .
بقلم : سفيان البالي



جميع الحقوق محفوظة

حوادث 24

2016